ملا محمد مهدي النراقي
237
جامع السعادات
ذلك فليراقب لسانه ، ويقدم التروي في كل كلام يريد أن يتكلم به ، فإن تضمن غيبة سكت عنه ، وكلف نفسه ذلك على الاستمرار ، حتى يرتفع عن نفسه الميل الجلي والخفي إلى الغيبة . والعمدة في العلاج أن يقطع أسبابها المذكورة ، وقد تقدم علاج الغضب والحقد والحسد والاستهزاء والسخرية ، ويأتي طريق العلاج في الهزل والمطايبة والافتخار والمباهاة . وأما تنزيه النفس بنسبة ما نسب إليه من الجناية إلى الغير ، فمعالجته أن يعلم أن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت المخلوق ، ومن اغتاب تعرض لمقت الله وسخطه قطعا ، ولا يدري أنه يتخلص من سخط الناس أم لا ، فيحصل بعمله ذم الله وسخطه تقديرا ، وينظر دفع ذم الناس نسيئة ، وهذا غاية الجهل والخذلان . وأما تعرضه لمشاركة الغير في الفعل تمهيدا لعذر نفسه ، كان يقول إني أكلت الحرام ، لأن فلانا أيضا أكل ، وقبلت مال السلطان ، لأن فلانا أيضا قبل ، مع أنه أعلم مني ، فلا ريب في أنه جهل وسفه ، لأنه اعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به . فإن من خالف الله لا يقتدي به كائنا من كان ، فلو دخل غيره النار وهو يقدر على عدم الدخول فهل يقتدي به في الدخول ولو دخل عد سفيها أحمق ، ففعله معصية ، وعذره غيبة وغباوة ، فجمع بين المعصيتين والحماقة ، ومثله كمثل الشاة ، إذا نظرت إلى العنز تردى نفسها من الجبل فهي أيضا تردى نفسها ، ولو كان لها لسان ناطق واعتذرت عن فعلها بأن العنز أكيس مني وقد أهلكت نفسها فكذلك فعلت أنا ، لكان هذا المغتاب المعتذر يضحك عليها ، مع أن حاله مثل حالها ولا يضحك على نفسه . والعجب أن بعض الأشقياء عن العوام ، لما صارت قلوبهم عش الشيطان وصرفوا أعمارهم في المعاصي ، واشتغلت ذممهم بمظالم الناس بحيث لا يرجى لهم الخلاص ، مالت نفوسهم الخبيثة إلى ألا يكون معاد وحساب وحشر وعقاب ، ولما وجد ذلك الميل منهم اللعين ، خرج من الكمين ، ووسوس في صدورهم بأنواع الشكوك والشبهات ، حتى ضعف بها عقائدهم أو أفسدها . ودعاهم في مقام الاعتذار عن أعمالهم الخبيثة ألا يصرحوا ارتكز في قلوبهم